محمد جواد مغنية
17
الاسلام والعقل
وعليه فما يمكن استخدام التجربة والملاحظة فيه فهو موجود ، وما يخرج عن هذه الدائرة فلا وجود له . وهذا القول قريب من سابقه غير أنه أعم وأوسع ، لأنه يشمل الأشياء التي لا ترى ولا تلمس ، كالألكترون ومكروب السرطان وما اليه . والنتيجة الحتمية لهذا القول إن الألوهية ، وما يتصل بها من ارسال الرسل وانزال الكتب والبعث والنشر ان هي إلا أسماء لا تعبر عن حقيقة ، لأن كل ما وراء التجربة والملاحظة لا وجود له ، وان الأقيسة المنطقية والاستنتاجات العقلية تركيب ألفاظ ، وصور خيالية لا يربطها بالواقع أي رابط . ويرد هذا القول أولا : ان التجربة تختص بحادثة جزئية ، ولا يمكن أن تثبت بها قاعدة كلية عامة ، هذا مضافا إلى انها لن تكون حقيقية مئة بالمئة ، فقد يجزم العالم بحقيقة ما عن طريق التجربة ، ثم تظهر له حادثة أخرى يستكشف منها ان التجربة الأولى كانت خاطئة وغير صالحة لتفسير ما كان يفسره بها من الحوادث . فهذا اينشتين زعم « ان أقصر الخطوط هو الخط المنحني ، وان الضوء يسير على خط غير مستقيم ، ثم اتفق ان رصد ثانية بآلات أحدث وأتقن فتبين له ان أقصر الخطوط الخط المستقيم ، وان الضوء يسير عليه لا على خط منحني » . ثانيا : ليس من شك ان للتجربة مزايا لا توجد في غيرها ، وانه كان لها وما زال الفضل الأول في تقدم العلوم ، ولكن ليس معنى هذا ان التجربة هي كل المعرفة ، وان غيرها ليس بشيء لأن العالم لا يمكنه اجراء تجاربه في جميع الموضوعات التي تعرض له ، طبيعية كانت أو غير طبيعية ، فقد يعتمد على الملاحظة وحدها ، كما هي الحال في علم الفلك ، وعلم الحياة ، حيث لا يستطيع الانسان أن يجري أية تجربة على حركات الأفلاك ، كما أنه لا يستطيع أن يخلق الحياة ، أو يعيدها بعد الموت . لذا يقتصر في علم الفلك وعلم الحياة على المشاهدة والملاحظة